بقلم د. هدى الخزيمي
في عالم يواجه أزمات اقتصادية وسياسية متزايدة التعقيد، أصبح من الضروري فهم الكيفية التي تمكنت بها بعض الاقتصادات المتوترة من التحول والتعافي وسط أصعب الظروف. دراسة هذه التجارب ليست فقط ذات أهمية للدول النامية أو المتأثرة بالأزمات، بل تحمل أيضًا دروسًا حاسمة للاقتصادات المتقدمة.
تمثل هذه الاقتصادات المتوترة مختبرات حية للابتكار، حيث تظهر قدرتها على مواجهة التحديات من خلال تنويع مواردها، بناء شراكات استراتيجية، واستغلال التقنيات الناشئة. بالنسبة للدول المتقدمة، فإن دراسة هذه التجارب يمكن أن تكشف عن حلول إبداعية لتعزيز المرونة الاقتصادية، وتقديم نماذج للتعامل مع الأزمات، والبحث عن أساليب مستدامة للنمو في عالم دائم التغير.

إن الاقتصادات المتقدمة ليست بمنأى عن المخاطر. أزمات مثل الركود المالي العالمي في 2008، جائحة كوفيد-19، والتحديات المناخية أثبتت أن التكيف السريع، الابتكار، والاستفادة من الفرص حتى في الأوقات الصعبة هي عوامل ضرورية لتحقيق الاستقرار والنمو. لذلك، فإن النظر إلى النجاحات المتحققة في الاقتصادات المتوترة يمكن أن يساعد الدول المتقدمة على توقع الأزمات المستقبلية وإيجاد مسارات بديلة للنمو

ليبيا: الابتكار الرقمي والطاقة في ظل الأزمات
رغم الصراعات السياسية والانقسامات المستمرة منذ عام 2011، برزت ليبيا كمثال لدولة تسعى للتغلب على أزماتها من خلال تنويع الاقتصاد. انخفاض إنتاج النفط من 1.65 مليون برميل يوميًا في 2010 إلى أقل من 400,000 برميل يوميًا خلال الحرب الأهلية لم يمنع البلاد من العودة التدريجية إلى الساحة الاقتصادية، حيث ارتفع الإنتاج إلى 1.2 مليون برميل يوميًا في 2023.
بفضل تكاليف الكهرباء المنخفضة ($0.004 لكل كيلوواط/ساعة)، أصبحت ليبيا مركزًا غير رسمي لتعدين العملات الرقمية، ما يمثل 0.6% من الإنتاج العالمي للبيتكوين. كما أطلقت مبادرات مثل “مختبر الابتكار الرقمي” ومنصة “خريطة الابتكار”، التي تسعى إلى دعم الابتكار وريادة الأعمال.
مثال الشراكة بين القطاعين العام والخاص:
قامت شركات مثل شركة الزويتينة للنفط بتعزيز الشراكة مع القطاع الحكومي لاستعادة البنية التحتية النفطية وزيادة الإنتاج. كما بدأت مبادرات محلية مع شركات ناشئة لدعم رقمنة الخدمات الحكومية والقطاع الخاص.

إيران: التكنولوجيا الحيوية والنانو في ظل العقوبات
إيران، التي خضعت لعقوبات اقتصادية طويلة الأمد، نجحت في تنويع اقتصادها من خلال الاستثمار في التكنولوجيا الحيوية وتقنيات النانو. بحلول 2023، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي إلى 413 مليار دولار، مدعومًا بالصناعات البتروكيماوية والطاقة المتجددة. كما أنها تساهم بـ 45% من الإنتاج العلمي للنانو في الشرق الأوسط، مما يجعلها رائدة إقليمية في هذا المجال.
بجانب ذلك، تعزز إيران شراكاتها مع الصين وروسيا، مما يفتح أسواقًا جديدة لمنتجاتها، بينما تعمل على تطوير مشاريع مثل محطة “كرمان” للطاقة الشمسية.
مثال الشراكة بين القطاعين العام والخاص:
شركات مثل CinnaGen وMAPNA Group تعمل بشكل وثيق مع الحكومة لتعزيز الابتكار في التكنولوجيا الحيوية والطاقة، مما أدى إلى زيادة الاعتماد على القطاعات المحلية لتخفيف آثار العقوبات الدولية.

فيتنام: مركز عالمي للتصنيع والطاقة الخضراء
تحولت فيتنام من اقتصاد مدمر بعد الحرب إلى قوة صناعية رئيسية بفضل إصلاحات “دوي موي” التي أطلقت في 1986. بحلول 2023، بلغ الناتج المحلي الإجمالي 409 مليارات دولار، مدعومًا بقطاعات الإلكترونيات والطاقة المتجددة.
تستضيف فيتنام مصانع لعمالقة التكنولوجيا مثل سامسونج، التي توظف أكثر من 100,000 شخص. كما أنها واحدة من الدول الرائدة في إنتاج الطاقة الشمسية، ما يعزز تحولها إلى اقتصاد أخضر مستدام.
مثال الشراكة بين القطاعين العام والخاص:
أبرمت الحكومة اتفاقيات مع شركات مثل VinFast لدعم تصنيع السيارات الكهربائية، مما جعلها منافسًا عالميًا، إلى جانب الاستثمارات الكبيرة في تطوير شبكات الطاقة الشمسية.

رواندا: الابتكار في التكنولوجيا والاستدامة
بعد الإبادة الجماعية في 1994، نجحت رواندا في إعادة بناء اقتصادها من خلال التركيز على الابتكار والتكنولوجيا. ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من 752 مليون دولار إلى 14.19 مليار دولار في 2023.
رواندا هي أول دولة في العالم تستخدم الطائرات بدون طيار لتوصيل الإمدادات الطبية، مما يعكس التزامها بالابتكار. كما أن تحويل العاصمة كيغالي إلى مدينة خضراء جعلها وجهة استثمارية وسياحية مهمة في إفريقيا.
مثال الشراكة بين القطاعين العام والخاص:
شركات مثل Zipline التي تقدم خدمات الطائرات بدون طيار تعمل بالشراكة مع الحكومة لتعزيز نظام الرعاية الصحية، مما يدعم الابتكار ويوفر حلولًا للمناطق النائية.

إستونيا: الريادة في الرقمنة
إستونيا، التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي في 1991، تبنت الرقمنة كركيزة أساسية للنمو. بحلول 2023، بلغ الناتج المحلي الإجمالي 42.4 مليار دولار.
تشتهر إستونيا بنظام الحوكمة الرقمية، حيث يمكن للمواطنين التصويت إلكترونيًا وإدارة خدماتهم العامة عبر الإنترنت. كما أصبحت إستونيا مركزًا للأمن السيبراني، وتحتضن شركات تقنية ناشئة مثل سكايب وبولت.
مثال الشراكة بين القطاعين العام والخاص:
برنامج e-Residency المدعوم حكوميًا يعزز الأعمال الدولية، حيث ساهم في إطلاق شركات مثل Veriff المتخصصة في الأمن السيبراني.

أيرلندا: جنة التكنولوجيا والاستثمار الأجنبي
أيرلندا تحولت من أزمة مالية في 2008 إلى واحدة من أقوى الاقتصادات في أوروبا. بلغ الناتج المحلي الإجمالي 520 مليار دولار في 2023، مع مساهمات كبيرة من شركات التكنولوجيا مثل Google وApple، بفضل سياسات ضريبية جذابة.
كما أن قطاع الأدوية، الذي يمثل 50% من صادرات أيرلندا، عزز مكانتها كمركز عالمي للصناعات الدوائية.
مثال الشراكة بين القطاعين العام والخاص:
شركات التكنولوجيا مثل Intel وPfizer تعمل بشكل وثيق مع الحكومة لإنشاء مراكز إنتاج وبحث وتطوير، مما يجعل أيرلندا رائدة في الابتكار العلمي.

كوريا الجنوبية: الابتكار في التكنولوجيا والصناعة
بعد الحرب الكورية، كانت كوريا الجنوبية واحدة من أفقر دول العالم، لكنها أصبحت الآن قوة اقتصادية عالمية. بلغ الناتج المحلي الإجمالي 1.73 تريليون دولار في 2023.
تستثمر كوريا الجنوبية 4.6% من ناتجها المحلي الإجمالي في البحث والتطوير، ما جعلها رائدة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. شركات مثل سامسونج وهيونداي تقود التحول الاقتصادي في البلاد.
مثال الشراكة بين القطاعين العام والخاص:
شركات مثل LG Chem تعمل بالشراكة مع الحكومة لتطوير بطاريات السيارات الكهربائية، مما يعزز الانتقال إلى اقتصاد الطاقة النظيفة.

شيلي: التنوع الاقتصادي والطاقة الخضراء
شيلي، التي اعتمدت تاريخيًا على النحاس، نجحت في تنويع اقتصادها لتصبح واحدة من أكبر منتجي الليثيوم، مما يضعها في مقدمة سلسلة التوريد العالمية لبطاريات السيارات الكهربائية. بحلول 2023، بلغ الناتج المحلي الإجمالي 317 مليار دولار، مدعومًا بمشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة.
مثال الشراكة بين القطاعين العام والخاص:
شركات مثل SQM وColbún تعمل مع الحكومة لتعزيز إنتاج الليثيوم والطاقة المتجددة.

كوبا: التحول التدريجي نحو الابتكار
كوبا، رغم العقوبات الطويلة، نجحت في تطوير قطاعات جديدة مثل التكنولوجيا الحيوية والسياحة. بحلول 2023، بدأ الاقتصاد الكوبي يشهد تحسنًا مع توسع صادرات التكنولوجيا الطبية واللقاحات.
مثال الشراكة بين القطاعين العام والخاص:
شركات مثل BioCubaFarma، بالشراكة مع الدولة، ساهمت في تطوير اللقاحات التي تُصدَّر إلى الأسواق الدولية، مما يعزز مكانة كوبا في قطاع التكنولوجيا الطبية.

أرمينيا: التقنية والاستدامة بعد الأزمات
رغم التحديات السياسية والاقتصادية، حققت أرمينيا نموًا مستدامًا بفضل قطاع التكنولوجيا. شركات مثل Picsart وKrisp أصبحت شركات يونيكورن رائدة على المستوى العالمي، مما يثبت قوة الابتكار الأرميني في الأسواق الدولية. دعم الحكومة لمراكز الابتكار مثل Tumo Center for Creative Technologies ساهم في بناء قاعدة قوية للابتكار التكنولوجي.
مثال الشراكة بين القطاعين العام والخاص:
الحكومة الأرمينية تعمل بشكل وثيق مع شركات التكنولوجيا لدعم ريادة الأعمال، مما أدى إلى نمو قطاع التكنولوجيا بنسبة 25% سنويًا.

الدروس المستفادة
من كوريا الجنوبية إلى أرمينيا، ومن شيلي إلى كوبا، تُظهر هذه الأمثلة كيف يمكن للاقتصادات المتوترة أن تتحول إلى نماذج ناجحة للنمو المستدام. التركيز على الشراكات بين القطاعين العام والخاص كان مفتاحًا للعديد من هذه النجاحات، حيث ساهم التعاون في تعزيز الابتكار، خلق فرص العمل، وتنويع الاقتصاد.
الدروس الرئيسية المستفادة تشمل:
- الابتكار كمحرك أساسي للنمو: الاستثمارات في التكنولوجيا والبحث والتطوير تسهم بشكل كبير في تحقيق التحولات الاقتصادية.
- الشراكات الدولية: التعاون مع الشركات العالمية والمؤسسات المالية يمكن أن يساعد الدول على التغلب على التحديات الاقتصادية.
- رأس المال البشري: تطوير التعليم والمهارات هو أساس بناء اقتصاد مستدام.
- تنويع الاقتصاد: الاعتماد على أكثر من قطاع رئيسي يجعل الاقتصاد أكثر مرونة في مواجهة الأزمات.
هذه القصص ليست فقط دروسًا اقتصادية، لكنها أمثلة على قوة الإرادة والابتكار في مواجهة الأزمات، مما يفتح آفاقًا جديدة للنمو والازدهار.
د.هدى الخزيمي
- مستشار استراتيجي واقتصادي
- شريك مؤسس في شركة BluverseVentures التي تستثمر في سوق التكنولوجيا العالمية الناشئة
- مؤسس ومدير مركز إماراتسيك للتكنولوجيا الناشئة وتسريع الأبحاث المتقدمة
- نائب العميد المشارك لأبحاث الترجمة وريادة الأعمال والابتكار جامعة نيويورك أبو ظبي الإمارات العربية المتحدة
- أستاذ مساعد في قسم الهندسة جامعة نيويورك أبوظبي
- المدير الفخري لمركز الأمن السيبراني؛
- الرئيس المشارك لمجلس المستقبل العالمي للأمن السيبراني في المنتدى الاقتصادي العالمي.


